ترى الدكتورة نادية حلمي، أستاذة العلوم السياسية بكلية السياسة والاقتصاد في جامعة بني سويف، أن زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة ولقاءه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تحمل أهمية استراتيجية تتجاوز العلاقات الثنائية بين البلدين.
وتتناول حلمي في تحليل نشرته مودرن دبلوماسي أبعاد الزيارة من منظور صيني، معتبرة أن دوائر الاستخبارات والاستراتيجية في بكين تنظر إلى التقارب المصري السعودي باعتباره محورًا أمنيًا واستراتيجيًا يمكن أن يسهم في إعادة تشكيل موازين القوى في البحر الأحمر، وحماية أمن الطاقة العالمي، وتعزيز التماسك الاقتصادي داخل مجموعة بريكس ودعم صوت الجنوب العالمي.
وبحسب قراءة الكاتبة لما تراه مراكز الدراسات الاستراتيجية الصينية، ولا سيما معهد بكين للدراسات الاستراتيجية الدولية ومراكز بحثية مرتبطة بوزارة أمن الدولة الصينية، يمكن فهم أبعاد الزيارة عبر ثلاثة محاور رئيسية، تتعلق بتأمين مبادرة الحزام والطريق والممرات البحرية الدولية، وبناء محور عربي للاستقرار بعيدًا عن الاستقطاب الغربي، وتعزيز التماسك الاقتصادي داخل مجموعة بريكس ودعم دور الجنوب العالمي.
تأمين الحزام والطريق والممرات البحرية الدولية
يمثل مضيق باب المندب ومنطقة البحر الأحمر شريانًا حيويًا للتجارة الصينية المتجهة إلى أوروبا عبر قناة السويس، في إطار مبادرة الحزام والطريق. وتشير التقارير الصينية، بحسب الكاتبة، إلى أن بكين تنظر إلى الموقف المصري السعودي المشترك بشأن أمن المضائق، وفي مقدمتها مضيقا هرمز وباب المندب، باعتباره خطوة ضرورية لمواجهة التهديدات الراهنة، ومنها تصعيد الحوثيين والتوترات المرتبطة بإيران.
وتنطلق الرؤية الصينية من عدة اعتبارات استراتيجية، يأتي في مقدمتها الحفاظ على أمن الملاحة والتجارة الدولية، باعتبار البحر الأحمر شريانًا حيويًا لمبادرة الحزام والطريق الصينية. وتدعم بكين التنسيق الاستراتيجي بين القاهرة والرياض لتأمين الممرات البحرية في مواجهة التهديدات غير التقليدية والتوترات الجيوسياسية، بما يحمي إمدادات الطاقة.
وترى مراكز الأبحاث الصينية، وفق التحليل، أن التوافق المصري السعودي يضمن استقرار تدفقات النفط والغاز من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية والآسيوية عبر قناة السويس.
كما ترى بكين أن استقرار حركة التجارة عبر البحر الأحمر يحمي إيرادات قناة السويس المصرية من جهة، ويؤمن طرق تصدير الطاقة السعودية وخطوط أنابيب النفط، ومنها خط الشرق والغرب، من جهة أخرى. ويتوافق ذلك بصورة مباشرة مع المصلحة الصينية في استقرار أسعار النفط وسلاسل الإمداد العالمية.
وتحلل دوائر الاستخبارات ومراكز الدراسات الاستراتيجية الصينية التقارب المصري السعودي في إطار توازن القوى الإقليمي. ومن المنظور الصيني، فإن الشراكة بين أكبر قوة اقتصادية في الخليج، وهي السعودية، وأكبر قوة عسكرية وبشرية في منطقة شرق المتوسط، وهي مصر، تشكل حاجزًا أمام الاستقطاب الإقليمي والدولي، كما تمنح الصين فرصة لبناء شراكات متعددة الأطراف من دون اللجوء إلى تدخل عسكري مباشر.
وتعتبر الدوائر الصينية أن التهديدات المستمرة في باب المندب والبحر الأحمر ومضيق هرمز تمثل خطرًا مباشرًا على أمن الصين ومبادرة الحزام والطريق، فضلًا عن تأثيرها في الأمن القومي السعودي والنظام الاقتصادي المصري، ولا سيما إيرادات قناة السويس.
ومن هذا المنظور، يستهدف التحرك المصري السعودي المشترك، بحسب القراءة الصينية التي تعرضها الكاتبة، إقامة ترتيبات أمنية تعتمد على القدرات الذاتية لحماية هذه الممرات البحرية الحيوية، بعيدًا عن الاعتماد على تحالفات دولية قد تزيد تعقيد المشهد.
محور عربي للاستقرار بعيدًا عن الاستقطاب الغربي
تولي الدوائر الصينية اهتمامًا خاصًا لما تعتبره استقلالًا استراتيجيًا لدى القاهرة والرياض، ولا سيما في ظل تبني البلدين سياسات تقوم على التوازن الاستراتيجي وعدم الانخراط في توجهات أميركية تستهدف عسكرة البحر الأحمر أو إدخاله في مواجهات عسكرية بالوكالة.
وترى مراكز الأبحاث الصينية أن التقارب المصري السعودي يندرج ضمن سياسة تقوم على تقليص الاعتماد على الحلول الخارجية. وبحسب التحليل، أظهرت التطورات الأخيرة لبكين أن المقاربات الغربية، ولا سيما الأميركية، في التعامل مع قضايا حساسة مثل أمن البحر الأحمر وحرب غزة والأزمة السودانية غالبًا ما تتأثر بحسابات انتخابية أو مصالح جيوسياسية ضيقة لا تخدم الاستقرار الفوري للمنطقة.
ولهذا السبب، ترحب الدوائر الصينية بصياغة قرارات تنطلق من المصالح المشتركة. ومن وجهة النظر الصينية، يعزز التقارب المصري السعودي مفهوم استقلال القرار العربي، من خلال تنسيق المواقف في مواجهة الضغوط الخارجية، سواء كانت ضغوطًا غربية تستهدف فرض ترتيبات أمنية محددة، أو ضغوطًا إقليمية مرتبطة بتهديدات الملاحة البحرية.
ولا يقتصر الدور الذي تتصوره بكين للقاهرة والرياض على الجانب الأمني، إذ ترى التقارير الصينية أن التنسيق بين قيادتي البلدين يمنحهما قدرة أكبر على قيادة وساطات إقليمية فاعلة، مستفيدتين من قنوات الاتصال المفتوحة مع أطراف إقليمية ودولية مختلفة، بما فيها قوى كبرى مثل الصين وروسيا، إلى جانب أطراف إقليمية مثل إيران.
وتشير الكاتبة إلى أن هذا التقارب يعكس أيضًا تقاربًا في الرؤى المصرية والسعودية والصينية بشأن عدد من الأزمات الإقليمية، ومنها القضية الفلسطينية. ويظهر ذلك، بحسب التحليل، في تأكيد مصر والسعودية حل الدولتين ورفض التصعيد الإسرائيلي المستمر في قطاع غزة والضفة الغربية، إلى جانب تفعيل الجهود الدبلوماسية العربية لإطلاق مسار حقيقي للسلام، وهو المسار الذي تدعو إليه الصين أيضًا.
كما تشير الكاتبة إلى وجود توافق بشأن دعم المؤسسات الوطنية السودانية الشرعية، ممثلة في القوات المسلحة السودانية، ورفض الكيانات الموازية والميليشيات والتدخلات الأجنبية التي تسهم في تأجيج الصراع داخل السودان.
تعزيز التماسك الاقتصادي داخل بريكس ودعم الجنوب العالمي
ترى حلمي أن زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة، بالتزامن مع انعقاد قمة بريكس في نيودلهي بالهند في 12 سبتمبر، تؤسس لشراكة استراتيجية قوية يمكن أن تعزز التماسك الاقتصادي داخل مجموعة بريكس وتحد من تداعيات الأزمات العالمية على دول الجنوب العالمي، ولا سيما في ظل الدور الصيني.
ومع انضمام مصر والسعودية إلى مجموعة بريكس بدعم قوي من بكين، تنظر الدوائر الصينية إلى الزيارة من منظور جيو اقتصادي يخدم المجموعة باعتبارها منصة تعبر عن مصالح الجنوب العالمي.
وتعتبر الصين، وفقًا للتحليل، أن المشروعات المشتركة بين البلدين، وفي مقدمتها مشروع الربط الكهربائي الضخم، وتدفق الاستثمارات السعودية إلى مصر، وحماية الاستثمارات المتبادلة، تقدم نموذجًا للتكامل الاقتصادي الإقليمي الذي يدعم قوة الاقتصادات الناشئة ودول الجنوب العالمي داخل مجموعة بريكس.
وتضع مراكز الأبحاث وأجهزة الاستخبارات الصينية التكامل الاقتصادي بين مصر والسعودية ضمن إطار أوسع تعتبره الكاتبة صمام أمان سياسيًا للصين، إذ لا يمكن فصل الاستقرار السياسي عن القوة الاقتصادية في المنطقة والجنوب العالمي، وكذلك عن أمن الموانئ من المنظور الصيني.
وترى الكاتبة أن تعزيز الإطار المؤسسي بين البلدين، مثل مجلس التنسيق السعودي المصري، يمثل أداة رئيسية لتدعيم هذا المحور، من خلال تعميق الاستثمارات السعودية المباشرة في مصر، وتوسيع الشراكات في مجالات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية، وتحويل الاتفاقات السياسية إلى شبكة قوية من المصالح الاقتصادية.
وتوفر هذه الشبكة، بحسب التحليل، حماية للجبهة الداخلية في البلدين من الصدمات المالية العالمية والضغوط المرتبطة بالقروض والتمويل الدولي التي تؤثر سلبًا في دول الجنوب العالمي والدول الأعضاء في بريكس. كما تمنح القاهرة والرياض مساحة أكبر للمناورة داخل المجموعة وتعزز صوت الجنوب العالمي بقيادة الصين.
وتنظر بكين أيضًا إلى التقارب المصري السعودي باعتباره عاملًا مساعدًا لتأمين البنية التحتية الإقليمية ودعم استقرار وتكامل اقتصادات بريكس والجنوب العالمي، فضلًا عن تعزيز مبادرة الحزام والطريق الصينية في المنطقة.
وترحب الصين بهذا التقارب، وفق الكاتبة، لأنه يسهل استثماراتها في موانئ البحر الأحمر والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ولا سيما منطقة تيدا، مستفيدة من المظلة الأمنية والسياسية المحلية التي يوفرها التعاون المصري السعودي.
وتحلل مراكز صنع القرار السياسي في بكين جهود تعزيز التماسك الاقتصادي والتنسيق المشترك بين مصر والسعودية من زاوية تأمين سلاسل إمدادات الطاقة وخدمة أهداف مجموعة بريكس والجنوب العالمي ومبادرة الحزام والطريق الصينية.
وتعتبر الصين مصر، وفق هذا التصور، طريقًا آمنًا وممرًا رئيسيًا لتصدير النفط السعودي عبر قناة السويس وخط أنابيب سوميد في سيدي كرير، بما يؤمن إمدادات الطاقة العالمية الضرورية لمصالح الصين ودول الجنوب العالمي وأعضاء بريكس، وسط التوترات وعدم الاستقرار في ممرات مائية مثل مضيق هرمز.
وتساهم هذه المعادلة، بحسب التحليل، في توحيد الرؤى داخل مجموعة بريكس، إذ ترى التحليلات السياسية والاستراتيجية الصينية أن التنسيق المصري السعودي المكثف يمكن أن يساعد في توحيد المواقف الاقتصادية والسياسية داخل المجموعة ودعم دور الدول النامية والجنوب العالمي في إصلاح النظام المالي والاقتصادي الدولي.
وتدفع القاهرة والرياض، وفق الرؤية التي تعرضها الكاتبة، نحو ترجمة التفاهمات الثنائية إلى استثمارات وشراكات حقيقية، بما يزيد العوائد الاقتصادية ويوسع التجارة والتبادل داخل المنطقة بالعملات المحلية للحد من الضغوط المرتبطة بالدولار، وهو أحد الأهداف الرئيسية لمجموعة بريكس ومبادرة الحزام والطريق الصينية.
كما يعزز التقارب المصري السعودي دور المراكز اللوجستية التي تخدم الجنوب العالمي، من خلال تعميق التكامل والاستفادة من البنية التحتية المتقدمة ومحور قناة السويس لربط أسواق المنطقة العربية والأفريقية بأسواق دول بريكس الكبرى، وفي مقدمتها الصين وروسيا.
وتخلص حلمي إلى أن جوهر الرؤية الصينية للقاء المصري السعودي لا يقتصر على العلاقات الثنائية، بل يتجاوزها إلى ما يعتبره صمام أمان جيوسياسي لمنطقة الشرق الأوسط.
وبحسب هذا التحليل، يمكن للتنسيق رفيع المستوى بين القاهرة والرياض أن يسهم في سد فراغ أمني إقليمي عبر أدوات عربية، بما يقلل المخاطر التي تهدد المصالح التجارية والاقتصادية الكبرى للصين في المنطقة. كما يخدم هذا التقارب أهداف مجموعة بريكس ومبادرة الحزام والطريق الصينية، ويدعم مصالح دول الجنوب العالمي التي ترى بكين أنها تمثل أحد محاور النظام الدولي متعدد الأطراف.
https://moderndiplomacy.eu/2026/09/16/mbs-cairo-visit-saudi-egypt-brics-global-south/

